تفتح إشارة ترامب إلى استقبال الرئيس جوزاف عون في واشنطن بابًا سياسيًا ثقيلًا، قد يُخرج لبنان من سياسة التوازنات نحو لحظة خيارات حاسمة.
السبت ٢٢ نوفمبر ٢٠٢٥
المحرّر السياسي – منَحَ تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن نيّته دعوة الرئيس اللبناني جوزاف عون إلى البيت الأبيض جرعة دعم غير متوقّعة للعهد الحالي، الذي بدأ يخسر الكثير من وهجه بفعل التردّد في مقاربة ملفّ حصرية السلاح وسائر نقاط الخلاف الداخلي والخارجي. وجاء تلويح ترامب بفتح صفحة جديدة مع السلطة اللبنانية، بعد إلغاء زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى واشنطن، كمفاجأة أعادت خلط الأوراق وأظهرت رغبة أميركية في قطف ثمار هذا الإلغاء واستثماره سياسيًا. ومع ذلك، لا يبدو أن ترامب سيتراجع عن الضغط على هذه السلطة التي يقف أبرز أركانها—رئيس الجمهورية وقائد الجيش—في منطقة رمادية واسعة، يُمسك الرئيس نبيه برّي بمفاتيحها، فيما يظهر موقف الرئيس نواف سلام أكثر وضوحًا في دعوته إلى كسب الوقت وعدم تفويت الفرص. في خطاب الاستقلال، واصل رئيس الجمهورية الدفع باتجاه التفاوض انطلاقًا من "النقاط الخمس"، وأبرزها بندان أساسيان: تموضع الجيش على الحدود واستعداد لبنان للتفاوض. غير أنّ القراءة الأميركية والإسرائيلية تعتبر أنّ هذه المبادرة لا تبدّد الالتباس حول مسألة حصرية السلاح على كامل الأراضي اللبنانية، وهي العقدة الجوهرية في تدهور العلاقات اللبنانية ـ الأميركية، وسبب البرودة المستمرة في تعاطي حكومة نتنياهو مع مبادرات الرئيس المتكررة. وقد يجد الرئيس جوزاف عون نفسه، في حال تمت الزيارة، أمام واحدة من أصعب المحطات في مسيرته، نظرًا لطباع ترامب الفجّة والصادمة وقدرته على توجيه رسائل نارية لعدد من ضيوفه من دون أي مراعاة للأصول الدبلوماسية. ويبقى السؤال: هل تنعش زيارة عون إلى البيت الأبيض عهده أم تضع على كتفيه أعباء إضافية تُغرقه أكثر في المنطقة الرمادية التي يحكمها منطق الثنائية التي يرفعها حزب الله: أي أنّ نزع سلاحه يعني الانزلاق إلى حرب أهلية؟ وربما لا يأتي الجواب من قصر بعبدا، بل من طهران، حيث سارع الرئيس برّي إلى إرسال موفده لفتح باب التفاوض أو استمزاج الموقف الإيراني بشأن إمكانية جلوس لبنان إلى طاولة تبحث مصير سلاح حزب الله ومستقبل دوره. وفي حال تمّ اللقاء في البيت الأبيض، فإنّ أحد مفاصله الحاسمة أنّ لبنان لن يبقى قادرًا على توسيع هامش المناورة الذي اعتاد عليه. سيكون مضطرًا إلى مقاربة خياراته بوضوح أكبر، بين المسار الذي تطرحه واشنطن والمسار الذي تمثّله طهران، إذ لم يعد هناك متّسع لطريق ثالث. أمّا إذا استمرّ التردّد، فسيجد لبنان نفسه يعود تلقائيًا إلى المسار الوحيد الذي يتقدّم بلا مفترقات: مسار الانهيار.
في لحظة تختلط فيها الحسابات السياسية بضغوط الميدان، تتكشف تناقضات المواقف الداخلية، فيما يتقدم منطق القوة على حساب التفاوض.
فتح الرئيس نبيه بري الباب نظرياً أمام التفاوض، لكن ميزان الحرب والسلم ما زال في يد حزب الله فيما تضيق المهلة الدولية أمام لبنان.
في زمن الضياع والجنون البحث عن معنى "المرشد" ضروري.
تتقدّم الخطوات الديبلوماسية في اتجاه عقد مفاوضات مباشرة بين لبنان واسرائيل فيما يلوّح التصعيد الإسرائيلي بتوسيع الحرب جنوب الليطاني.
تكليف رون ديرمر بإدارة أي محادثات محتملة مع بيروت يكشف أن حكومة نتنياهو تحضّر لمرحلة ما بعد التصعيد، فيما تصطدم مبادرة الرئيس عون بعُقد شيعية.
في ظل حرب إقليمية مفتوحة ونزوح داخلي واسع، يكشف البيان المثير للجدل هشاشة التوازن بين السلطة التنفيذية وحزب الله وخطورة اللعب بوحدة المؤسسة العسكرية.
لم يكن اختيار حزب الله تسمية "العَصف المأكول" لمعركته الجارية مجرد استعارة دينية عابرة، بل رسالة سياسية وعقائدية في آن واحد.
يقف لبنان مرة جديدة على خط النار الإقليمي فيما مؤسساته تتآكل وقدرته على القرار تتقلص.
اختيار مرشد أعلى جديد للجمهورية الإسلامية يتم في لحظة ضغط عسكري غير مسبوق، وتحولات إقليمية تهدد بتغيير موقع إيران ودورها… من الخليج إلى لبنان.
رحل الكاتب المُبدع أنطوان غندور بصمت في عزّ المأساة اللبنانية.