وجدت قناريت نفسها في قلب التصعيد: دمار الغارات ورسائل النار في جنوب لبنان.
الخميس ٢٢ يناير ٢٠٢٦
المحرر السياسي-لم تكن الغارات الإسرائيلية التي استهدفت بلدة قناريت في قضاء صيدا، أمس الأربعاء، حدثًا أمنيًا محدوداً في سياق المواجهة المفتوحة جنوب لبنان، بل شكّلت تصعيدًا لافتًا من حيث الشدة وحجم الدمار، أعاد طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الرسائل العسكرية الإسرائيلية، وحدود تحمّل القرى الجنوبية لكلفة صراع يتجاوزها. بلدة مأهولة بحسب المعطيات الميدانية، خلّفت الغارات دمارًا هائلًا طال عددًا من الأبنية السكنية والممتلكات، إضافة إلى أضرار جسيمة في البنى التحتية المحيطة. عكس المشهد في قناريت حجم الضربة أكثر مما عكس عددها، إذ بدت البلدة وكأنها تلقّت رسالة نارية مركّزة، لا مجرّد استهداف موضعي محدود. الضغط الواسع يأتي هذا التطور في إطار تحوّل تدريجي في طبيعة الضربات الإسرائيلية، من عمليات محسوبة ذات أثر عسكري مباشر، إلى ضربات ذات كلفة ميدانية وإنسانية أوسع. فالقرى الجنوبية، ومنها قناريت، باتت تتحوّل إلى مساحة ضغط غير مباشر، تُستخدم لإيصال رسائل سياسية وأمنية في ظل تصعيد متدرّج على الجبهة اللبنانية. المدنيون في الواجهة مرة جديدة، يجد المدنيون أنفسهم في المواجهة، حيث لا يقتصر أثر الغارات على البعد العسكري، بل يطال الحياة اليومية والأمان السكني والنسيج الاجتماعي للبلدات. هذا الواقع يعيد إلى الواجهة إشكالية حماية المدنيين، وحدود الالتزام بقواعد التناسب، في سياق عمليات عسكرية تجري في مناطق مأهولة. أسئلة مفتوحة في المقابل، يبرز العجز الرسمي اللبناني وعجز حزب الله عن مقاربة هذا التصعيد ضمن رؤية سياسية أو دبلوماسية واضحة، في ظل بيانات إدانة متكرّرة لا تُترجم إلى خطوات عملية. ويطرح ما جرى في قناريت تساؤلات إضافية حول مستقبل الاستقرار الهش جنوبًا، وإلى أي مدى يمكن أن يبقى التصعيد مضبوط الإيقاع من دون الانزلاق إلى مواجهة أوسع. قناريت العنوان في المحصّلة، لا تختصر قناريت حجم الدمار الذي خلّفته الغارات فحسب، بل تختصر أيضًا مرحلة دقيقة من التصعيد، حيث تتداخل الرسائل العسكرية مع الحسابات السياسية، وتبقى القرى الجنوبية الحلقة الأضعف في معادلة القوة. دمار الأمس في قناريت ليس حدثًا معزولًا، بل يؤشر إلى مسار مفتوح على احتمالات مقلقة، في انتظار تبلور المساعي الديبلوماسية بقاطرة أميركية. ولكن ماذا عن ما نُقل عن الرئيس نبيه بري بأنّه لا يمكن التكهن بما سيحصل في الجنوب طالما أنّ الملف الجنوبي بيد نتنياهو الذي لا يُعرف بماذا يفكر؟! السؤال الأساسي ، هل تُرك الجنوب مجددًا وحيدًا في مواجهة الآلة العسكرية الاسرائيلية في وقت يبدو حزب الله في لحظة من الضعف العسكري في مقابل تصعيد في الخطاب باتجاه الداخل العاجز أصلا عن أي مواجهة فكيف اذا كانت هذه المواجهة عسكرية لردع ما لا يُردع؟
في لحظة تختلط فيها الحسابات السياسية بضغوط الميدان، تتكشف تناقضات المواقف الداخلية، فيما يتقدم منطق القوة على حساب التفاوض.
فتح الرئيس نبيه بري الباب نظرياً أمام التفاوض، لكن ميزان الحرب والسلم ما زال في يد حزب الله فيما تضيق المهلة الدولية أمام لبنان.
في زمن الضياع والجنون البحث عن معنى "المرشد" ضروري.
تتقدّم الخطوات الديبلوماسية في اتجاه عقد مفاوضات مباشرة بين لبنان واسرائيل فيما يلوّح التصعيد الإسرائيلي بتوسيع الحرب جنوب الليطاني.
تكليف رون ديرمر بإدارة أي محادثات محتملة مع بيروت يكشف أن حكومة نتنياهو تحضّر لمرحلة ما بعد التصعيد، فيما تصطدم مبادرة الرئيس عون بعُقد شيعية.
في ظل حرب إقليمية مفتوحة ونزوح داخلي واسع، يكشف البيان المثير للجدل هشاشة التوازن بين السلطة التنفيذية وحزب الله وخطورة اللعب بوحدة المؤسسة العسكرية.
لم يكن اختيار حزب الله تسمية "العَصف المأكول" لمعركته الجارية مجرد استعارة دينية عابرة، بل رسالة سياسية وعقائدية في آن واحد.
يقف لبنان مرة جديدة على خط النار الإقليمي فيما مؤسساته تتآكل وقدرته على القرار تتقلص.
اختيار مرشد أعلى جديد للجمهورية الإسلامية يتم في لحظة ضغط عسكري غير مسبوق، وتحولات إقليمية تهدد بتغيير موقع إيران ودورها… من الخليج إلى لبنان.
رحل الكاتب المُبدع أنطوان غندور بصمت في عزّ المأساة اللبنانية.