نزوح واسع، خطاب سياسي غائب، وصواريخ لا تغيّر ميزان الميدان… مشهد يطرح أسئلة قاسية حول قدرة الدولة والمقاومة معًا على فرض معادلة جديدة.
الأحد ٠٨ مارس ٢٠٢٦
المحرر السياسي –بعد أسبوع على اندلاع ما سُمّي بـ«حرب الإسناد الثانية»، يجد لبنان نفسه غارقًا في مشهد ثقيل من التداعيات الإنسانية والسياسية. أبرز هذه التداعيات نجاح إسرائيل، عبر مزيج من الضربات العسكرية والضغط النفسي، في إفراغ ما يقارب عشرة في المئة من الأراضي اللبنانية من سكانها. والأخطر أنّ عودة هؤلاء النازحين تبدو مرتبطة، في الواقع العملي، بقرار إسرائيلي أكثر مما ترتبط بقدرة الدولة اللبنانية أو "المقاومة الإسلامية في لبنان" على فرض معادلة ميدانية معاكسة. ومع مرور أسبوع على هذه المواجهة، لا تبدو "المقاومة الإسلامية" – الجناح العسكري لحزب الله – قد أدخلت تعديلاً يُذكر على استراتيجيتها المعتمدة. وهي الاستراتيجية التي أظهرت تجربة «حرب الإسناد الأولى» محدودية قدرتها على تحقيق هدفين أساسيين: دعم غزة بصورة مؤثرة، أو حماية بنية المقاومة نفسها من الاغتيالات والضربات التي طالت كوادرها وبيئتها الحاضنة. في الميدان، يستمر إطلاق صواريخ حزب الله وفق الوتيرة نفسها تقريبًا، من دون أن يترجم ذلك إلى قوة ردع قادرة على كبح الاندفاعة الإسرائيلية، سواء في الغارات العسكرية أو في الحرب النفسية التي تستهدف المناطق الشيعية في لبنان. وفي المقابل، يلاحظ غياب شبه كامل للقيادات السياسية للحزب عن المشهد الإعلامي، في وقت يملأ فيه محللون وناشطون على وسائل التواصل هذا الفراغ بخطاب يكاد يكون ثابتًا، لم يتأثر كثيرًا بالتحولات الديمغرافية الكبيرة التي فرضتها موجات النزوح الأخيرة. ويستمر هذا الخطاب في توجيه سهامه نحو الحكومة اللبنانية وعدد من القيادات السياسية، مع الإصرار على تكرار المقولة نفسها" بما أنّ الدولة عاجزة، فلا بديل من سلاح المقاومة". غير أنّ المشهد الميداني يطرح مفارقة واضحة. فالدولة اللبنانية، رغم ضعفها البنيوي وإمكاناتها المحدودة، تحاول التحرك ضمن ما هو متاح لها. أما المقاومة، التي تبرز في بياناتها العسكرية أرقام عمليات الإسناد الصاروخي، فتبدو عاجزة حتى الآن عن فرض معادلة ردع حقيقية في الجو أو البر أو البحر. وفي هذه المعادلة المأزومة، يبقى لبنان مرة أخرى ساحة مفتوحة لتوازنات إقليمية أكبر منه، فيما يدفع المجتمع اللبناني كلفة الصراع من أرضه وسكانه.
في لحظة تختلط فيها الحسابات السياسية بضغوط الميدان، تتكشف تناقضات المواقف الداخلية، فيما يتقدم منطق القوة على حساب التفاوض.
فتح الرئيس نبيه بري الباب نظرياً أمام التفاوض، لكن ميزان الحرب والسلم ما زال في يد حزب الله فيما تضيق المهلة الدولية أمام لبنان.
في زمن الضياع والجنون البحث عن معنى "المرشد" ضروري.
تتقدّم الخطوات الديبلوماسية في اتجاه عقد مفاوضات مباشرة بين لبنان واسرائيل فيما يلوّح التصعيد الإسرائيلي بتوسيع الحرب جنوب الليطاني.
تكليف رون ديرمر بإدارة أي محادثات محتملة مع بيروت يكشف أن حكومة نتنياهو تحضّر لمرحلة ما بعد التصعيد، فيما تصطدم مبادرة الرئيس عون بعُقد شيعية.
في ظل حرب إقليمية مفتوحة ونزوح داخلي واسع، يكشف البيان المثير للجدل هشاشة التوازن بين السلطة التنفيذية وحزب الله وخطورة اللعب بوحدة المؤسسة العسكرية.
لم يكن اختيار حزب الله تسمية "العَصف المأكول" لمعركته الجارية مجرد استعارة دينية عابرة، بل رسالة سياسية وعقائدية في آن واحد.
يقف لبنان مرة جديدة على خط النار الإقليمي فيما مؤسساته تتآكل وقدرته على القرار تتقلص.
اختيار مرشد أعلى جديد للجمهورية الإسلامية يتم في لحظة ضغط عسكري غير مسبوق، وتحولات إقليمية تهدد بتغيير موقع إيران ودورها… من الخليج إلى لبنان.
رحل الكاتب المُبدع أنطوان غندور بصمت في عزّ المأساة اللبنانية.