يقف لبنان مرة جديدة على خط النار الإقليمي فيما مؤسساته تتآكل وقدرته على القرار تتقلص.
الأربعاء ١١ مارس ٢٠٢٦
. المحرر السياسي- مرة جديدة يجد لبنان نفسه في قلب العاصفة. ليس بوصفه لاعباً كاملاً في الحرب الدائرة في المنطقة، بل كساحة مفتوحة على احتمالاتها كلها. منذ أشهر يتأرجح لبنان بين حرب محدودة على حدوده الجنوبية واحتمال الانزلاق إلى مواجهة أوسع، فيما تبدو الدولة اللبنانية شبه غائبة عن إدارة أخطر لحظة يمر بها البلد منذ سنوات. المفارقة أنّ لبنان الذي اعتاد أن يكون مساحة للتوازنات الدقيقة في الشرق الأوسط، تحوّل تدريجياً إلى ساحة تتقاطع فيها صراعات الآخرين أكثر مما تتجسد فيها إرادة اللبنانيين أنفسهم. فالقرار الاستراتيجي بالحرب أو السلم لم يعد مسألة وطنية خالصة، بل بات مرتبطاً بشبكة معقدة من الحسابات الإقليمية بقاطرة حزب الله. في الداخل، لا يبدو المشهد أكثر طمأنينة. اقتصاد منهك، مؤسسات دستورية مشلولة الفعاليّة، وثقة شعبية شبه معدومة بالدولة. وفي ظل هذا الفراغ، يصبح أي اهتزاز أمني أو عسكري مضاعف التأثير، لأن البلاد تفتقر إلى الحد الأدنى من القدرة على امتصاص الصدمات. لكن الأخطر في كل ذلك هو الاعتياد. فلبنان، الذي خبر الحروب والأزمات، بدأ يتعامل مع الاحتمالات الكارثية وكأنها قدر طبيعي. يتكيف الناس مع القلق اليومي، وتتحول الأسئلة الكبرى بشأن الحرب والسلم ومستقبل الدولة إلى نقاشات عابرة في المقاهي وعلى الشاشات. غير أن التاريخ اللبناني يعلمنا أن لحظات كهذه نادراً ما تبقى معلقة طويلاً. فإما أن تنجح القوى السياسية في إعادة الاعتبار لفكرة الدولة كمرجعية نهائية للقرار الوطني، وإما أن يستمر الانزلاق نحو واقع تصبح فيه الجغرافيا اللبنانية مجرد ساحة في صراعات أكبر منها. اليوم، يقف لبنان عند مفترق جديد. بين خيار إعادة بناء الدولة واستعادة القرار الوطني، وخيار البقاء في دائرة الحروب بالوكالة. وبين هذين الخيارين، يبقى السؤال الذي لم يجد جواباً منذ عقود: هل يستطيع اللبنانيون أخيراً أن يجعلوا من بلدهم دولة، لا مجرد ساحة؟ وما هو الموقف الأساسي لمكوّن لبنانيّ أساسي وهو الثنائي الشيعي المتأرجح بين دولة مسحوقة وبين مساندة " غزة" والجمهورية الاسلامية الايرانية ، في حين لم يصدر موقف فلسطيني أو ايراني ولو يدعم بالكلام حزب الله في فتحه الجبهات العسكرية بشكل متواصل...
في لحظة تختلط فيها الحسابات السياسية بضغوط الميدان، تتكشف تناقضات المواقف الداخلية، فيما يتقدم منطق القوة على حساب التفاوض.
فتح الرئيس نبيه بري الباب نظرياً أمام التفاوض، لكن ميزان الحرب والسلم ما زال في يد حزب الله فيما تضيق المهلة الدولية أمام لبنان.
في زمن الضياع والجنون البحث عن معنى "المرشد" ضروري.
تتقدّم الخطوات الديبلوماسية في اتجاه عقد مفاوضات مباشرة بين لبنان واسرائيل فيما يلوّح التصعيد الإسرائيلي بتوسيع الحرب جنوب الليطاني.
تكليف رون ديرمر بإدارة أي محادثات محتملة مع بيروت يكشف أن حكومة نتنياهو تحضّر لمرحلة ما بعد التصعيد، فيما تصطدم مبادرة الرئيس عون بعُقد شيعية.
في ظل حرب إقليمية مفتوحة ونزوح داخلي واسع، يكشف البيان المثير للجدل هشاشة التوازن بين السلطة التنفيذية وحزب الله وخطورة اللعب بوحدة المؤسسة العسكرية.
لم يكن اختيار حزب الله تسمية "العَصف المأكول" لمعركته الجارية مجرد استعارة دينية عابرة، بل رسالة سياسية وعقائدية في آن واحد.
يقف لبنان مرة جديدة على خط النار الإقليمي فيما مؤسساته تتآكل وقدرته على القرار تتقلص.
اختيار مرشد أعلى جديد للجمهورية الإسلامية يتم في لحظة ضغط عسكري غير مسبوق، وتحولات إقليمية تهدد بتغيير موقع إيران ودورها… من الخليج إلى لبنان.
رحل الكاتب المُبدع أنطوان غندور بصمت في عزّ المأساة اللبنانية.