تتزاحم هذا الأسبوع المحطات الداخلية متداخلة مع محطات إقليمية ستشكل المشهد السياسي العام في لبنان.
الإثنين ١١ فبراير ٢٠١٩
تتزاحم هذا الأسبوع المحطات الداخلية متداخلة مع محطات إقليمية ستشكل المشهد السياسي العام في لبنان.
المحطة الاولى، أنّ الحكومة ستنال الثقة بنسبة كبيرة كما هو متوقع، لأنّها تتشكل أصلا من كتل نيابية حاضرة وفاعلة في مجلس النواب، وهذه الثقة العالية يعوّل عليها رئيس الحكومة سعد الحريري لاتخاذ القرارات الموجعة، ومعالجة ملف الفساد المتجذّر ،فهل ينجح؟
الثقة العالية التي ستنالها الحكومة ستجعلها تخضع لمعادلة جديدة، غيابُ المعارضة الفاعلة من خارج تشكيلتها، وتصارع "المعارضات" في داخلها، وهذه مشهدية سيتخصّص لبنان في إبرازها كتجربة ديمقراطية غريبة من نوعها، ومن سمع رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في اطلالته التلفزيونية الأخيرة أدرك أنّه يخطط بأن يكون "معارضة" داخل "حكومة الوحدة الوطنية"،وفي هذا الاتجاه يسير حزب الله والحزب التقدمي الاشتراكي، وهذه معادلة سياسية لا تقود حتما الى استقرار سياسي، ولن تريح الحريري في قيادة حكومة متفجرة من الداخل، ومتضاربة في أهوائها.
وستنال الحكومة ثقة المجلس بالتصويت، إنما العبرة تبقى في "الأطراف الحكومية"التي تستعد للمعارك السياسية في مجلس الوزراء الذي سيخضع أيضا ل"زوبعة" من الخيارات الإقليمية والدولية التي يصعب ضبطها.
ففي هذا الأسبوع تتقاطع ثلاث زيارات، في كل زيارة ألغام وأفخاخ، من زيارة وزير الخارجية الايرانية محمد جواد ظريف، الى زيارة المستشار في الديوان الملكي السعودي نزار العلولا، مرورا بزيارة الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط. وشكل توقيت زيارة الموفد السعودي مفاجأة غير محسوبة في الهجمة الإقليمية على لبنان والتي تتنازع فيها التوظيفات السياسية في الملعب اللبناني المتهالك.
فهل تستطيع حكومة الحريري استيعاب التوظيفات الايرانية والسعودية في الحدث الحكومي؟
انطلاقا من هذه المشهدية يجد الحريري نفسه في ملعب كروي صعب التحرك فيه.
ومع أنّ الحريري يمسك الكرة بملء يده، رافعا شعارات داخلية تتمثّل بالنهوض الاقتصادي باندفاعة للإنقاذ من الانهيار كما قال في مؤتمر الحكومات في دبي، فإنّه يحتمي بشعار" النأي بالنفس" في الصراعات الإقليمية، وهذا شعار سقط بالممارسة في الحكومة السابقة، ويتسلّح أيضا باحترام لبنان القرارات الدولية خصوصا القرار ١٧٠١ ليحمي حدوده من أيّ تسلل إيراني من بوابة الجنوب.
كيف سيُمسك الحريري كرة الحكم ومعه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون؟
وكيف سيتحرك "الوزير الملك" جبران باسيل في مواجهة أخصامه الكثر داخل الحكومة؟
انها أسئلة توحي بأن الملعب الحكومي سيهتز دوما تحت أقدام اللاعبين المحليين والاقليميين، من دون أن يسقط الملعب بمن فيه.
في لحظة تختلط فيها الحسابات السياسية بضغوط الميدان، تتكشف تناقضات المواقف الداخلية، فيما يتقدم منطق القوة على حساب التفاوض.
فتح الرئيس نبيه بري الباب نظرياً أمام التفاوض، لكن ميزان الحرب والسلم ما زال في يد حزب الله فيما تضيق المهلة الدولية أمام لبنان.
في زمن الضياع والجنون البحث عن معنى "المرشد" ضروري.
تتقدّم الخطوات الديبلوماسية في اتجاه عقد مفاوضات مباشرة بين لبنان واسرائيل فيما يلوّح التصعيد الإسرائيلي بتوسيع الحرب جنوب الليطاني.
تكليف رون ديرمر بإدارة أي محادثات محتملة مع بيروت يكشف أن حكومة نتنياهو تحضّر لمرحلة ما بعد التصعيد، فيما تصطدم مبادرة الرئيس عون بعُقد شيعية.
في ظل حرب إقليمية مفتوحة ونزوح داخلي واسع، يكشف البيان المثير للجدل هشاشة التوازن بين السلطة التنفيذية وحزب الله وخطورة اللعب بوحدة المؤسسة العسكرية.
لم يكن اختيار حزب الله تسمية "العَصف المأكول" لمعركته الجارية مجرد استعارة دينية عابرة، بل رسالة سياسية وعقائدية في آن واحد.
يقف لبنان مرة جديدة على خط النار الإقليمي فيما مؤسساته تتآكل وقدرته على القرار تتقلص.
اختيار مرشد أعلى جديد للجمهورية الإسلامية يتم في لحظة ضغط عسكري غير مسبوق، وتحولات إقليمية تهدد بتغيير موقع إيران ودورها… من الخليج إلى لبنان.
رحل الكاتب المُبدع أنطوان غندور بصمت في عزّ المأساة اللبنانية.