نبيل موسى-إذا أردت أن تعرف ماذا سيحصل في بيروت خلال الأشهر القليلة المقبلة، عليك أن تعرف ماذا حصل في وارسو من جهة، وما قابله في الفترة نفسها في سوتشي.
الجمعة ١٥ فبراير ٢٠١٩
نبيل موسى-إذا أردت أن تعرف ماذا سيحصل في بيروت خلال الأشهر القليلة المقبلة، عليك أن تعرف ماذا حصل في وارسو من جهة، وما قابله في الفترة نفسها في سوتشي.
تحت عنوان "الأمن والسلام في الشرق الأوسط" جمعت وارسو أكثر من ستين وزير خارجية وعشرات الممثلين لحكومات من الشرق والغرب. عرّابة المؤتمر كانت بالتأكيد الولايات المتحدة الأميركية مدعومة بشكل رئيس من إسرائيل التي لها المصلحة الأولى في المؤتمر. إلا أن عنوان المؤتمر لم يكن شفّافًا بما فيه الكفاية لأنه في الحقيقة هو محاصرة إيران حتى خنقها ودفعها للاستسلام، أو إعلان حرب إقليمية دولية عليها بحجّة دعمها للإرهاب في المنطقة من خلال أذرعها العسكرية في سوريا والعراق ولبنان وغزة واليمن..
هذا ما يعلنه الأميركيون على الأقلّ. أما ما يضمره الإسرائيليون، وهو الأهمّ بالتأكيد، لم يعد احتمال امتلاك طهران قنبلة نووية، بل عدم قدرة تل أبيب على الاستمرار في العيش تحت الخطر الدائم جرّاء الصواريخ الإيرانية التي باتت تحاصرها من سوريا ولبنان وغزة وربما من أماكن أبعد مثل العراق أو ربّما إيران نفسها.
أثبتت الأحداث في تاريخنا المعاصر أن الإسرائيليين عندما يشعرون بالخطر الحقيقي يصبحون مستعدين للقيام بأشد التصرفات عدوانية وأكثرها جنونًا، وهو ما يحصل بالتحديد في هذه الفترة، مستفيدين بالتأكيد من تحالفهم الاستراتيجي مع واشنطن في ظل وجود رئيس انفعاليّ في البيت الأبيض من جهة، ومن دول خليجية على رأسها المملكة العربية السعودية مهد الحرمين الشريفين ضاقت ذرعًا بثورة شيعيّة دأبت طهران على تصديرها إلى معظم دول المنطقة على مدى أربعين عامًا من عمرها.
هذا بالتحديد ما جمع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو مع مجموعة من وزراء الخارجية الخليجيين على طاولة واحدة في وارسو.. وكل ما عدا ذلك مثل البحث في القضية الفلسطينية وعملية السلام وغيرها من الأمور المشتركة كلها قضايا مؤجلة لأنهم يعتبرون أن الخطر الحالي المشترك عليهم جميعًا هو إيران.
في المقابل سعت إيران لإقامة درع حماية "وهميًا" لها من خلال مؤتمر سوتشي الذي ضمها مع روسيا وتركيا، مع الإشارة الى الفارق الكبير في حجم التمثيل بين المؤتمرين، بالإضافة الى الأهداف المرجوّة من كل منهما.
في سوتشي اجتمعت ثلاث دول محوريّة موثرة في المنطقة، مع أجندة خاصة لكل دولة: فبينما أرادت إيران تشكيل مظلة حماية إقليمية دولية لها، كانت روسيا تسعى لتثبيت تواجدها السياسي والعسكري في المنطقة عبر الدفرسوار السوري، فيما ذهبت تركيا الى المؤتمر حاملةً ملفًا واحدًا هو ضمان استمرار تواجدهافي الشمال السوري، ومحاصرة الأكراد في المنطقة.
في المحصّلة حمل حلف وارسو عنوانًا وحيدًا هو إيران، فيما حمل مؤتمر سوتشي عنوانًا وحيدًا هو سوريا، وفي الحالين لن يكون لبنان بالتأكيد بعيدًا عن نتائج وتأثيرات المؤتمرين في الأشهر القليلة المقبلة.
فهل يقف حزب الله متفرجا وايران تحت مقصلة الاميركيين والإسرائيليين في وارسو؟
في لحظة تختلط فيها الحسابات السياسية بضغوط الميدان، تتكشف تناقضات المواقف الداخلية، فيما يتقدم منطق القوة على حساب التفاوض.
فتح الرئيس نبيه بري الباب نظرياً أمام التفاوض، لكن ميزان الحرب والسلم ما زال في يد حزب الله فيما تضيق المهلة الدولية أمام لبنان.
في زمن الضياع والجنون البحث عن معنى "المرشد" ضروري.
تتقدّم الخطوات الديبلوماسية في اتجاه عقد مفاوضات مباشرة بين لبنان واسرائيل فيما يلوّح التصعيد الإسرائيلي بتوسيع الحرب جنوب الليطاني.
تكليف رون ديرمر بإدارة أي محادثات محتملة مع بيروت يكشف أن حكومة نتنياهو تحضّر لمرحلة ما بعد التصعيد، فيما تصطدم مبادرة الرئيس عون بعُقد شيعية.
في ظل حرب إقليمية مفتوحة ونزوح داخلي واسع، يكشف البيان المثير للجدل هشاشة التوازن بين السلطة التنفيذية وحزب الله وخطورة اللعب بوحدة المؤسسة العسكرية.
لم يكن اختيار حزب الله تسمية "العَصف المأكول" لمعركته الجارية مجرد استعارة دينية عابرة، بل رسالة سياسية وعقائدية في آن واحد.
يقف لبنان مرة جديدة على خط النار الإقليمي فيما مؤسساته تتآكل وقدرته على القرار تتقلص.
اختيار مرشد أعلى جديد للجمهورية الإسلامية يتم في لحظة ضغط عسكري غير مسبوق، وتحولات إقليمية تهدد بتغيير موقع إيران ودورها… من الخليج إلى لبنان.
رحل الكاتب المُبدع أنطوان غندور بصمت في عزّ المأساة اللبنانية.