أنطوان سلامه-في غياب فصل السلطات، وانتفاء مراقبة السلطة التشريعية السلطةَ التنفيذية، لغياب الحدّ الفاصل بين الموالاة والمعارضة، يبرز دور رقابيٌّ فاعل للمؤسسات الدولية.
الأربعاء ٢١ أغسطس ٢٠١٩
أنطوان سلامه-في غياب فصل السلطات، وانتفاء مراقبة السلطة التشريعية السلطةَ التنفيذية، لغياب الحدّ الفاصل بين الموالاة والمعارضة، يبرز دور رقابيٌّ فاعل للمؤسسات الدولية.
فمع انتظار تصنيف وكالة "ستاندارد اند بورز" لوضعية لبنان اقتصاديا وماليا، يبدو لبنان يتهيّب مثل هذه التصنيفات التي تفضح واقعه على هامش الدول التي تعتمد في أدائها الحوكمة والشفافية.
وهذا التصنيف الذي يترقبه لبنان ليس الوحيد الذي يشكل "سيفا فوق رأسه" فهناك التقارير الدولية التي تصدر عن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي ودول متعددة مثل الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا التي تُمسك بقوس الرقابة في تمويل مشاريع "سيدر" وتنفيذها.
فعلا، لبنان خاضع للرقابة الدولية التي تبدو في الوهلة الأولى وكأنّها تخرق السيادة الوطنية، لكنّها في العمق تعوّض عن فراغ في التركيبة اللبنانية.
فمهما غالى الرئيس نبيه بري في أنّ مجلس النواب يأخذ دوره الرقابي، ومهما عقد رؤساء اللجان النيابية مؤتمرات صحافية تبدو مدتها أطول من مدة اجتماعات البحث، فإنّ هؤلاء جميعا، يكوّنون، بانتماءاتهم السياسية السلطة التنفيذية...إذا، فالرقابة شكلية أو ممنهجة، أو استنسابية، أو من عدّة"التزاحم السياسيّ"أي الشعبوية.
أكثر من ذلك، فإنّ الملفات الأساسية تضيع في بحر التوزيعات الطائفية، فترسيم الحدود البرية والبحرية جنوبا، في يد الرئيس بري، في حين أنّ وزير الخارجية جبران باسيل يرضى بالتنازل عن موقعه الأصلي في إدارة هذا الملف، باعتبار أنّ هذا الملف هو "شيعيّ" بامتياز.
وينتفض رئيس الحكومة سعد الحريري على أداء وزير العمل بشأن عمالة الفلسطينيين باعتبار أنّ هذا الملف هو "سنيّ" بامتياز.
أما الملفات الأخرى فتتوزع على المرجعيات الأخرى في الدولة، تحت راية "ترويكا" الحكم وحلقاتها السياسية المنخرطة في نعمة الحكم.
وما يُضحك ويُبكي، أنّ مكوّنات الحكم تتبارى في "زجليات" مكافحة الفساد، وقد انضم حزب الله الى "المنبر" فأطلق معركة مكافحته، كمعركة توازي بأهميتها، معركة مواجهة إسرائيل، لكنّ أداء الحزب، الذي يسوّق لنفسه، أنّه "حين يقول يفعل" جاء أداؤه ملتبسا واستنسابيا وأقل فعلا من غبار إطلاق المعركة ضدّ الفاسدين.
بالكاد نسمع صوت من ولّاه الحزب هذا الملف، وبالكاد يعمل الا أذا أراد التصويب السياسيّ ...
أما العهد الذي جاء على صهوة مكافحة الفساد، فحتى هذه الساعة لم يحاكم ولم يفضح، فأركانه دوما يتحدثون بلغة "الفعل الماضي المجهول"...
قضية واحدة ضجّت إعلاميا،وهي وضع اليد على "فساد" بسيط في الدوائر العقارية في جونية حيث تمّ خرق القانون في تبادل البريد العقاري.
أما ما يجري في القضاء والجمرك...فتتحكّم به صراعات من النوع السياسي المعروف لبنانيا.
حتى النائبان جميل السيد وبولا يعقوبيان اللذان يغردان كثيرا ويرفعان بيارق الثورة والتغيير والتصحيح ،فإنّ مصداقيتهما تراجعت، الأول بلغته "الشارعية" التي يستعملها في تغريداته والتي تذكّر بالناشطين "المبتدئين" على مواقع التواصل الاجتماعي، والثانية لارتكازها على اتهامات من دون دلائل...
أما الأجهزة الرقابية في الدولة فبقبض على أنفاسها السياسيون..
أما الشعب، وهو أساس السلطة،ففي خبر كان...
مع الأسف، تظهر "معارضة" الدوائر الدولية للسلطة الحاكمة في لبنان، بفسادها وتخبطها وآثامها، أكثر علمية ، هذا اعتراف بواقع يؤلم كثيرا، ويجرح...
في لحظة تختلط فيها الحسابات السياسية بضغوط الميدان، تتكشف تناقضات المواقف الداخلية، فيما يتقدم منطق القوة على حساب التفاوض.
فتح الرئيس نبيه بري الباب نظرياً أمام التفاوض، لكن ميزان الحرب والسلم ما زال في يد حزب الله فيما تضيق المهلة الدولية أمام لبنان.
في زمن الضياع والجنون البحث عن معنى "المرشد" ضروري.
تتقدّم الخطوات الديبلوماسية في اتجاه عقد مفاوضات مباشرة بين لبنان واسرائيل فيما يلوّح التصعيد الإسرائيلي بتوسيع الحرب جنوب الليطاني.
تكليف رون ديرمر بإدارة أي محادثات محتملة مع بيروت يكشف أن حكومة نتنياهو تحضّر لمرحلة ما بعد التصعيد، فيما تصطدم مبادرة الرئيس عون بعُقد شيعية.
في ظل حرب إقليمية مفتوحة ونزوح داخلي واسع، يكشف البيان المثير للجدل هشاشة التوازن بين السلطة التنفيذية وحزب الله وخطورة اللعب بوحدة المؤسسة العسكرية.
لم يكن اختيار حزب الله تسمية "العَصف المأكول" لمعركته الجارية مجرد استعارة دينية عابرة، بل رسالة سياسية وعقائدية في آن واحد.
يقف لبنان مرة جديدة على خط النار الإقليمي فيما مؤسساته تتآكل وقدرته على القرار تتقلص.
اختيار مرشد أعلى جديد للجمهورية الإسلامية يتم في لحظة ضغط عسكري غير مسبوق، وتحولات إقليمية تهدد بتغيير موقع إيران ودورها… من الخليج إلى لبنان.
رحل الكاتب المُبدع أنطوان غندور بصمت في عزّ المأساة اللبنانية.