أنطوان سلامه-خطابُ رئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل العالي النبرة والذي هدد فيه بقلب الطاولة يطرح استفهامات ضرورية لتكون زيارته الى دمشق مجدية.
الأحد ١٣ أكتوبر ٢٠١٩
أنطوان سلامه-خطابُ رئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل العالي النبرة والذي هدد فيه بقلب الطاولة يطرح استفهامات ضرورية لتكون زيارته الى دمشق مجدية.
خطاب باسيل الانفعالي يعبّر عن "المأزق العام" في البلاد.
أولا: اتهم باسيل "مجهولا" بتفشيل العهد واصلاحاته، والفعل المجهول "ماضيا ومضارعا" شاع واسعا في مفردات خطابه، وكان الأجدر به أن يحدّد"المتآمرين" ب "الفعل المعلوم" ليعرف أنصاره الكثر في "ذكرى ١٣تشرين"من هم الأعداء، بشكل واضح وشفاف.
ثانيا: إنّ إعلانه عن زيارته سوريا لإرجاع اللاجئين السوريين الى بلادهم، أمرٌ فيه نظر، خصوصا أنّ هذا الإعلان جاء مفاجئا من حيث "المنبر الذي أعلن منه باسيل خطوته المقبلة "المؤكدة"، و"المناسبة "الأليمة" التي انطلقت منه، وتوّج هذا الإعلان، زيارات مكوكية يقوم بها سياسيون من الصف الأول في التيار الوطني الحر الى دمشق، وجاء بعد مواقف علنية من منابر محلية وعربية ودولية تشدّد على ضرورة "التطبيع مع النظام السوري".
من حيث المبدأ لا جديد في مضمون الإعلان...
وفي حين يتخذ "مسار التطبيع منحى اندفاعيا"خصوصا أنّه تزامن مع ترددات لقاء باسيل مع الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، فهذا يعني أنّ الانتقال العلني الى دمشق يتمتع بمظلة نيابية ووزارية وشعبية واسعة وراجحة في الخريطة السياسية.
خارجيا، لن يقتنع أيّ مراقب محلي، أنّ الولايات المتحدة الأميركية والسعودية، "ستستقتلان" لمنع الزيارة والتطبيع، فاهتمامات الاميركيين تنصبّ على حزب الله وتطويقه بخناق ماليّ، والسعودية في مكان آخر...
محليا، لا يشكل المعارضون الداخليون خصوصا القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي، وحتى تيار المستقبل، جبهة يمكن أن يقطعوا من خلالها، الطريق الى دمشق.
لا يملك هؤلاء معادلات تغيير المسار السياسي العام في البلاد خصوصا في ظل شبكة من التحالفات التي يقودها حزب الله وتتفرّع منها قوى سياسية محسوبة تاريخيا على "خط الممانعة".
وسيستغل "الممانعون" "انحناءات رئيس تيار المستقبل" الرئيس سعد الحريري أمام الرياح السياسية القوية، فينطلقون على طريق بيروت-دمشق من دون أيّ عائق ثابت وفعلي.
إذا، بحسب توزّع القوى، طريق التطبيع مع النظام السوري سالكة على أكثر من خطين.
يبقى السؤال عن الثمن، عن الربح الوطني العام والخسارة.
ينتظر اللبنانيون ،بعدما "تأكد المؤكد"، من الوزير باسيل، الشفافية في تعاطيه مع هذا الملف، لا أن يبقى الأداء السياسي محصورا في استعمال "الأفعال المجهولة" فيصارح باسيل بمحتوى السلة التي سيحملها الى رأس النظام في دمشق.
ويبقى على باسيل بعد أن يجري محادثاته مع أركان النظام أن يُصارح بما حققه من اتفاقات بين دولتين، لا بين دولة وتيار وحزب...
وهذا المنطق إذا اعتُمد يحتاج الى وقت...فماذا عن الوقت الضائع ولبنان في الهاوية.
لا شك، أنّ لبنان يحتاج الي المعابر المفتوحة الى العراق والخليج عبر البوابات السورية فينتعش اقتصاده، هذه هي الجغرافية التي تتحكّم، ومن الواجب خرقُ موانعها، ولكن على باسيل أن يكون أكثر وضوحا، في ذهابه الى سوريا، ليس في نزهة بل في جدول أعمال واضح ...والأهم أن يعود بأجوبة تراعي توازنا مفقودا، تاريخيا، منذ الاستقلال، بين لبنان وسوريا.
هنا، يسجّل الوزير جبران باسيل للتاريخ، قدرته على"قلب الطاولة"، خصوصا في عهد يشارف على إنهاء نصف ولايته الأولى من دون تسجيل شهور الفراغ الرئاسيّ السابقة...
لو يراجع الوزير باسيل ملف "المصالح المشتركة والوحدة الجمركية بين لبنان وسوريا" في أربعينات وخمسينات القرن الماضي، وصولا الى فك الارتباط والانفصال...
لو يقرأ في أداء الوزير الراحل فيليب تقلا وإنجازات وزارة الخارجية في هذا المفصل التاريخي المهم، حين كانت المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار،ويوم كان الفعل الديبلوماسي يُقاس بالتوازنات الدقيقة، بين الداخل والخارج...
لو يفعل... فهذا ما ينتظره اللبنانيون منه، مع الدعاء له بالتوفيق.
في لحظة تختلط فيها الحسابات السياسية بضغوط الميدان، تتكشف تناقضات المواقف الداخلية، فيما يتقدم منطق القوة على حساب التفاوض.
فتح الرئيس نبيه بري الباب نظرياً أمام التفاوض، لكن ميزان الحرب والسلم ما زال في يد حزب الله فيما تضيق المهلة الدولية أمام لبنان.
في زمن الضياع والجنون البحث عن معنى "المرشد" ضروري.
تتقدّم الخطوات الديبلوماسية في اتجاه عقد مفاوضات مباشرة بين لبنان واسرائيل فيما يلوّح التصعيد الإسرائيلي بتوسيع الحرب جنوب الليطاني.
تكليف رون ديرمر بإدارة أي محادثات محتملة مع بيروت يكشف أن حكومة نتنياهو تحضّر لمرحلة ما بعد التصعيد، فيما تصطدم مبادرة الرئيس عون بعُقد شيعية.
في ظل حرب إقليمية مفتوحة ونزوح داخلي واسع، يكشف البيان المثير للجدل هشاشة التوازن بين السلطة التنفيذية وحزب الله وخطورة اللعب بوحدة المؤسسة العسكرية.
لم يكن اختيار حزب الله تسمية "العَصف المأكول" لمعركته الجارية مجرد استعارة دينية عابرة، بل رسالة سياسية وعقائدية في آن واحد.
يقف لبنان مرة جديدة على خط النار الإقليمي فيما مؤسساته تتآكل وقدرته على القرار تتقلص.
اختيار مرشد أعلى جديد للجمهورية الإسلامية يتم في لحظة ضغط عسكري غير مسبوق، وتحولات إقليمية تهدد بتغيير موقع إيران ودورها… من الخليج إلى لبنان.
رحل الكاتب المُبدع أنطوان غندور بصمت في عزّ المأساة اللبنانية.