أنطوان سلامه- مهما غالى المغالون في الإنكار، يشهد المربّع السياسي من العراق الى لبنان على أنّ الولايات المتحدة الأميركية عززت حضورها في مقابل عجز إيراني عن الاحتفاظ بأوراقها المتماسكة.
الأربعاء ١٩ أغسطس ٢٠٢٠
أنطوان سلامه- مهما غالى المغالون في الإنكار، يشهد المربّع السياسي من العراق الى لبنان على أنّ الولايات المتحدة الأميركية عززت حضورها في مقابل عجز إيراني عن الاحتفاظ بأوراقها المتماسكة.
في الواقع، الأميركيون يقررون الحكومة ورئيسها في العراق، أو يشاركون في صياغة اللوحة السياسية في السلطة التنفيذية، على رجع الصدى للمواجهة الأمنية بين الجانبين، في قصف المنطقة الخضراء في بغداد بذخيرة إيرانية، واغتيال شخصية مثل السليماني بصاروخ أميركي.
واغتيال الناشطين والناشطات في الحراك العراقي يحمل دلالات...
سوريا معزولة قيصريا.
لبنان في مرحلة عالية من مستويات التدخل الأجنبي في أرضه وبحره وقراره...
أما إيران فمحاصرة، من دون أن يعني الواقع المستجد أنّها لا تؤثر.
في العراق لم تعد إيران الوحيدة التي تتلاعب بالكرة السياسية ، بات "شريكها اللدود" يتلاعب معها في كرّ وفر.
في سوريا من يشاركها كثر، من أميركيين وروس وأتراك، ولا تبتعد إسرائيل عن التدخلات ولو من الجوّ المفتوح...
في لبنان، اهتزت أركانها، مع اختراق "اللاءات" التي يرفعها حزب الله، خصوصا بعد ١٧ تشرين .
في الخلاصة، أنّ إيران، في هلالها الشيعي، تواجه في خطوط الدفاع، أكثر مما تتحكّم في الهجوم، وهذا ينطبق أيضا في الخليج العربي الفارسي، مع اختراق نوعي لإسرائيل التي تطرق بابها مباشرة، من الامارات، وستطرق نوافذها قريبا من ممالك أخرى...
وإسرائيل تهتم بالتوازنات العسكرية في الخليج انطلاقا من موقفها الرافض لأيّ تطوير نوعي في سلاح جو دول مجلس التعاون...من الامارات الى السعودية.
هذا العرض لواقع الحال في منطقة الشرق الأوسط، يشير الى أنّ المراهنة الإيرانية على التغييرات المرتقبة في الإدارة الأميركية مع اقتراب موعد الحسم في الانتخابات الرئاسية ، لن يكتمل انفراجات في طهران.
حتى ولو أزاح الأميركيون دونالد ترامب عن البيت الأبيض، فإنّ الشبح الإسرائيلي يتمدّد توسعا وقبولا في الخليج ووادي نهر النيل والمغرب العربي... وهو تمدّد يبدّل في موازين القوى في خنادق التماس مع الجمهورية الاسلامية الايرانية.
كما أنّ الانهيارات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المخيفة في الهلال، من رأسه العراقي الى أسفله اللبناني مرورا بوسطه السوري، لا تبشّر الا باضطرابات تتغلغل حكما، ولو بنسب متفاوتة، في البيئات الحاضنة "لخطوط الممانعة".
هل إيران الى انكفاء؟
هذا مستحيل، ستواصل إيران إبعاد النار عن دارها حتى ولو مشت دوما على مشارف الهاوية... .
وفي حالتي تعثرها أو نجاحها، فإنّ المنطقة مُقبلة على جراحات موضعية، تواكب مساعي باكستان في التهدئة بين الرياض وطهران...
تبقى حسابات الولايات المتحدة الأميركية ، براغماتية، مع المارد الفارسي.
ويبقى السؤال، أين سيكون موقع لبنان في الاتصالات السرية أو على طاولة تحديد الأحجام والانضباط في منظومة دولية من أولوياتها سلام اسرائيل!
الأكيد أنّ المتصارعين الكثر في المنطقة يدخلون النفق الطويل...
في لحظة تختلط فيها الحسابات السياسية بضغوط الميدان، تتكشف تناقضات المواقف الداخلية، فيما يتقدم منطق القوة على حساب التفاوض.
فتح الرئيس نبيه بري الباب نظرياً أمام التفاوض، لكن ميزان الحرب والسلم ما زال في يد حزب الله فيما تضيق المهلة الدولية أمام لبنان.
في زمن الضياع والجنون البحث عن معنى "المرشد" ضروري.
تتقدّم الخطوات الديبلوماسية في اتجاه عقد مفاوضات مباشرة بين لبنان واسرائيل فيما يلوّح التصعيد الإسرائيلي بتوسيع الحرب جنوب الليطاني.
تكليف رون ديرمر بإدارة أي محادثات محتملة مع بيروت يكشف أن حكومة نتنياهو تحضّر لمرحلة ما بعد التصعيد، فيما تصطدم مبادرة الرئيس عون بعُقد شيعية.
في ظل حرب إقليمية مفتوحة ونزوح داخلي واسع، يكشف البيان المثير للجدل هشاشة التوازن بين السلطة التنفيذية وحزب الله وخطورة اللعب بوحدة المؤسسة العسكرية.
لم يكن اختيار حزب الله تسمية "العَصف المأكول" لمعركته الجارية مجرد استعارة دينية عابرة، بل رسالة سياسية وعقائدية في آن واحد.
يقف لبنان مرة جديدة على خط النار الإقليمي فيما مؤسساته تتآكل وقدرته على القرار تتقلص.
اختيار مرشد أعلى جديد للجمهورية الإسلامية يتم في لحظة ضغط عسكري غير مسبوق، وتحولات إقليمية تهدد بتغيير موقع إيران ودورها… من الخليج إلى لبنان.
رحل الكاتب المُبدع أنطوان غندور بصمت في عزّ المأساة اللبنانية.