يتأرجح لبنان بين اتجاهي التفاوض مع اسرائيل والاصرار على المواجهة باللحم الحيّ.
الإثنين ٠٣ نوفمبر ٢٠٢٥
أنطوان سلامه- يقرأ بعض المتابعين أن لاءات الخرطوم الثلاث" لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض مع العدو الإسرائيلي" كانت في الواقع أول خطوة على سلّم التراجع العربي، الذي كانت قمّته ذات يوم الدعوة إلى "رمي إسرائيل في البحر". فمصر الناصرية احتضنتها ردحاً من الزمن، قبل أن يتجاوزها الرئيس أنور السادات في "كامب ديفيد"، مفتتحاً عصراً جديداً من التسويات الثنائية. ثم تبعته الأردن باتفاق وادي عربة، لتتوالى بعدها موجة التطبيع التي شملت دولاً خليجية وإسلامية عدة، أعادت تعريف مفهوم "العدو" وفق موازين المصالح لا الشعارات. في لبنان، بقيت هذه اللاءات جزءاً من المناخ السياسي العام، مدعومةً من القوى الإسلامية والدرزية على السواء، إلى أن صدمها ياسر عرفات حين اختار طريق "أوسلو" ليصافح من أخرجوه يوماً من بيروت المدمّرة. بذلك، سحق الزعيم الفلسطيني عملياً لاءات الخرطوم، برعاية عربية شبه كاملة، واستثناء سوري وحيد، ومباركة إسلامية واسعة، فيما انكفأ لبنان ليعلن على لسان قادته المسلمين أنه سيكون "آخر من يوقّع". لكنّ التاريخ لا يرحم المفارقات. فزعماء لبنانيون كثر شيطنوا خصومهم باتهامات التعامل مع إسرائيل، بينما صمتوا عن عرفات الذي صالحها، وتغافلوا عن دول عربية وإسلامية هرولت إلى التطبيع والتنسيق الأمني، بل وحتى عن "إيران الثورة" التي جلست مراراً مع الشيطان الاكبر ، تفاوض الاميركيين وتوقّع معهم اتفاقات نووية. وحده لبنان بقي أسير شعارات الرفض القديمة، يرفعها بعض خطبائه على المنابر في وقت تتغيّر فيه خرائط التحالفات والمصالح. اليوم، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام مفترق طريقين: طريق اللاءات التي طواها الزمن العربي والإسلامي، وطريق التفاوض الذي صار قدراً سياسياً لا مفرّ منه. وكما تأخر كثير من اللبنانيين عن الاعتراف بأخطاء الشيطنة والتخوين في الماضي، ها هم يتأخرون عن قراءة التحولات الإقليمية والدولية التي تقود إلى طاولات الحوار لا ميادين الحرب. لبنان الذي يزايد فيه حزب الله بخطاب "الممانعة" في وقت تناور فيه إيران استعداداً لجولة تفاوض جديدة مع واشنطن، يبدو اليوم مهدداً بفقدان موقعه الطبيعي في الحضنين العربي والإسلامي. فالتاريخ — كما علّمنا من فيينا إلى مالطا إلى كامب ديفيد — لا ينتهي في ساحات المعارك، بل على طاولات المفاوضات، حيث تُكتب نهايات الحروب ومصائر الدول. فالتاريخ أثبت أن لاءات الخرطوم لم تكن أكثر من مرحلة انفعالية في مسار طويل من التحولات، إذ سرعان ما تحوّلت من شعار تعبويّ إلى عائق أمام قراءة الواقع الدولي الجديد. عملياً، شكّل عرفات لحظة الانكسار الكبرى لهذه الللاءات ، فيما تراجع لبنان خطوة إلى الخلف معلناً أنه سيكون "آخر من يوقّع". لكنّ المفارقة اللبنانية اتخذت مع الوقت طابعاً مأساوياً. ظلّ لبنان يراوح مكانه في شعارات الرفض، فيما الإقليم من حوله يعيد رسم خرائطه الاقتصادية والأمنية على إيقاع مصالح متبدّلة. لقد خسر لبنان الكثير من قدرته على المبادرة بفعل تمسّكه بموقع رمزي أكثر منه فعلي، ونتيجة استمرار قواه السياسية في المزايدة بخطاب الممانعة في وقت تتجه فيه الدول الكبرى والإقليمية إلى مقاربات براغماتية جديدة. التاريخ يثبت أن الحروب تنتهي دائماً على طاولات المفاوضات، من فيينا إلى كامب ديفيد، مروراً بمالطا وأوسلو. ولبنان، إن أراد النجاة من عزلة الشعارات، عليه أن يدرك أنّ رفض التفاوض ليس بطولة دائمة، بل أحياناً غطاءٌ للعجز عن الفعل السياسي في زمن تغيّرت فيه قواعد اللعبة الإقليمية والدولية معاً من دون إسقاط المظلة الاسلامية الواسعة لقواعد التبدلات العميقة. وما معنى الاندفاع إلى توقيع اتفاق بحري مع إسرائيل بكل ما انطوى عليه من خسائر لبنانية فادحة، ثم الوقوف اليوم على حافة الهاوية؟ لعلّ مفاوضات لبنان البرّية المرتقبة ستكون خيارًا بين مرّين: بين التنازل الذي حصل قانونيًا عن مساحات واسعة من السيادة البحرية، وبين البقاء في دائرة النار التي قد تحوّل الشريط الحدودي إلى رمادٍ سياسي وجغرافي معًا.
في لحظة تختلط فيها الحسابات السياسية بضغوط الميدان، تتكشف تناقضات المواقف الداخلية، فيما يتقدم منطق القوة على حساب التفاوض.
فتح الرئيس نبيه بري الباب نظرياً أمام التفاوض، لكن ميزان الحرب والسلم ما زال في يد حزب الله فيما تضيق المهلة الدولية أمام لبنان.
في زمن الضياع والجنون البحث عن معنى "المرشد" ضروري.
تتقدّم الخطوات الديبلوماسية في اتجاه عقد مفاوضات مباشرة بين لبنان واسرائيل فيما يلوّح التصعيد الإسرائيلي بتوسيع الحرب جنوب الليطاني.
تكليف رون ديرمر بإدارة أي محادثات محتملة مع بيروت يكشف أن حكومة نتنياهو تحضّر لمرحلة ما بعد التصعيد، فيما تصطدم مبادرة الرئيس عون بعُقد شيعية.
في ظل حرب إقليمية مفتوحة ونزوح داخلي واسع، يكشف البيان المثير للجدل هشاشة التوازن بين السلطة التنفيذية وحزب الله وخطورة اللعب بوحدة المؤسسة العسكرية.
لم يكن اختيار حزب الله تسمية "العَصف المأكول" لمعركته الجارية مجرد استعارة دينية عابرة، بل رسالة سياسية وعقائدية في آن واحد.
يقف لبنان مرة جديدة على خط النار الإقليمي فيما مؤسساته تتآكل وقدرته على القرار تتقلص.
اختيار مرشد أعلى جديد للجمهورية الإسلامية يتم في لحظة ضغط عسكري غير مسبوق، وتحولات إقليمية تهدد بتغيير موقع إيران ودورها… من الخليج إلى لبنان.
رحل الكاتب المُبدع أنطوان غندور بصمت في عزّ المأساة اللبنانية.