يستعرض الاستاذ جوزيف أبي ضاهر، متذكّراً، العلاقات السعودية اللبنانية من بوابة بكركي.
الإثنين ١٢ يناير ٢٠٢٦
جوزف أبي ضاهر-أعود إلى الماضي لأرى وجه المستقبل. منذ أكثر من قرن أشارت شمس «فجر» إلى رملةٍ مباركةٍ، أعطت خيرًا لشعب، لأمّة، سيكون له في الزمن موقع ريادةٍ، موقع قرار. سنة 1920 سافر إليها أمين الريحاني وكان أمينًا لحلمٍ رآه في صحراء الذهب. سمّاه فجرًا. لم يتأخر الفجر. طلع من مُهجٍ تنبض بحب حياةٍ، تحقّقت سريعًا، وأشرقت شمسها أعمال خير، أوصلت إلى تاج إرادة دفعت بها إلى حضورٍ لافت لمن استخدم ذهب التراب لذهب المعرفة، والمعرفة على مقربة من الرسالات، المتّجهة في إشراقها، نحو خالق جعل من الناس أخوة في محبّته وخيره. تبدّدت المسافات. كان لبنان على مرمى محبّة في توطيد علاقات سعى الريحاني إلى صياغتها صوابًا ومعرفةً، وقدرةً على تقارب بين أبناء البلدين، وأبناء اللغة الواحدة. ... ولم تكن بكركي والبطريركية المارونيّة أقل قربًا واهتمامًا من الريحاني لدور مملكة. كان قرارها واضحًا، فاعلاً في العالمين: العربي والغربي. بدورها، لم تكن «المملكة» بعيدة عن لبنان، وبخاصة عن كرسي بطريركية الياس الحويك، الذي عمل الكثير من أجل المواطنية والالفة والمحبّة... وهي رسالته. من بعده جاء البطريرك أنطون عريضة الذي سمع تأكيدًا من الملك سعود، يوم زاره في بكركي سنة 1953: «نحن نؤيد استقلال لبنان، وندافع عنه وعن حقوق شعبه، ونعتبر أننا من لبنان، ولبنان منّا». ردّ البطريرك عريضة بتأكيد مماثل: «إن خير العرب هو اتحادهم ووقوفهم مثل البنيان المرصوص في الذود عن حقوقهم (...) حتى يبلغوا الأمل المنشود والغاية النبيلة التي يعملون من أجلها». استمرت هذه العلاقات «البيضاء» نقيّة، إلى أن جاء شيطان الفتن من تحت التراب لبذر الانشقاق والفتن عوض بذور القمح. رحم الله زمنًا كان لبنان فيه «تاج العروبة» كما قال فيه أكثر من زعيم وحاكم عربي. كلام الصورة: البطريرك عريضة بين الأميرين فيصل ومنصور آل سعود.
في لحظة تختلط فيها الحسابات السياسية بضغوط الميدان، تتكشف تناقضات المواقف الداخلية، فيما يتقدم منطق القوة على حساب التفاوض.
فتح الرئيس نبيه بري الباب نظرياً أمام التفاوض، لكن ميزان الحرب والسلم ما زال في يد حزب الله فيما تضيق المهلة الدولية أمام لبنان.
في زمن الضياع والجنون البحث عن معنى "المرشد" ضروري.
تتقدّم الخطوات الديبلوماسية في اتجاه عقد مفاوضات مباشرة بين لبنان واسرائيل فيما يلوّح التصعيد الإسرائيلي بتوسيع الحرب جنوب الليطاني.
تكليف رون ديرمر بإدارة أي محادثات محتملة مع بيروت يكشف أن حكومة نتنياهو تحضّر لمرحلة ما بعد التصعيد، فيما تصطدم مبادرة الرئيس عون بعُقد شيعية.
في ظل حرب إقليمية مفتوحة ونزوح داخلي واسع، يكشف البيان المثير للجدل هشاشة التوازن بين السلطة التنفيذية وحزب الله وخطورة اللعب بوحدة المؤسسة العسكرية.
لم يكن اختيار حزب الله تسمية "العَصف المأكول" لمعركته الجارية مجرد استعارة دينية عابرة، بل رسالة سياسية وعقائدية في آن واحد.
يقف لبنان مرة جديدة على خط النار الإقليمي فيما مؤسساته تتآكل وقدرته على القرار تتقلص.
اختيار مرشد أعلى جديد للجمهورية الإسلامية يتم في لحظة ضغط عسكري غير مسبوق، وتحولات إقليمية تهدد بتغيير موقع إيران ودورها… من الخليج إلى لبنان.
رحل الكاتب المُبدع أنطوان غندور بصمت في عزّ المأساة اللبنانية.